السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

39

مختصر الميزان في تفسير القرآن

فكيف لا نعلم به وبما في نفسه ؟ وهذا تقريب للمقصود بجملة ساذجة يسهل تلقيها لعامة الأفهام وإلا فأمر قربه تعالى اليه أعظم من ذلك وأعظم فهو سبحانه الذي جعلها نفسا ورتب عليها آثارها فهو الواسطة بينها وبين نفسها وبينها وبين آثارها وأفعالها فهو أقرب إلى الإنسان من كل أمر مفروض حتى في نفسه ، ولكون هذا المعنى دقيقا يشق تصوره على أكثر الأفهام عدل سبحانه إلى بيانه بنحو قوله : « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » وقريب منه بوجه قوله : « أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ » . قوله تعالى : إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ التلقي الأخذ والتلقن ، والمراد بالمتلقيان على ما يفيده السياق الملكان الموكلان على الإنسان اللذان يتلقيان عمله فيحفظانه بالكتابة . وقوله : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ تقديره عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد ، والمراد باليمين والشمال يمين الإنسان وشماله ، والقعيد القاعد . والظرف في قوله : « إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ » الظاهر أنه متعلق بمحذوف والتقدير اذكر إذ يتلقى المتلقيان ، والمراد به الإشارة إلى علمه تعالى بأعمال الإنسان من طريق كتاب الأعمال من الملائكة وراء علمه تعالى بذاته من غير توسط الوسائط . وقوله : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ تمثيل لموقعهما من الإنسان ، واليمين والشمال جانبا الخير والشر ينتسب اليهما الحسنة والسيئة . قوله تعالى : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ اللفظ الرمي سمي به التكلم بنوع من التشبيه ، والرقيب المحافظ ، والعتيد المعد المهيا للزوم الأمر . والآية تذكر مراقبة الكتبة للإنسان فيما يتكلم به من كلام ، وهي بعد قوله : « إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ » الخ ؛ من ذكر الخاص بعد العام لمزيد العناية به .